محمد ابراهيم شادي
37
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ميزان المفاضلة الذي يكشف درجات الكلام وأداة الكشف عن الفروق المميزة بين كلام وكلام . فعبد القاهر كان يضرب على وتر الموازنة وأنها سبيل الكشف عن الفروق ووسيلة إظهار نواحي التميز ، وانظر إلى قوله في الرد على من يدعون علما بالنحو ويكتفون بباب دون باب ، يقول : " هل أحطتم بحقائقه ؟ وهل وفّيتم كل باب منه حقه ؟ وأحكمتموه إحكاما يؤمّنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير وتعاطيتم علم التأويل ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض ؟ وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم وعدتم في ذلك وبدأتم وزدتم ونقصتم " « 1 » . وهو يقصد بالجملة الأخيرة أن تكون الموازنة ملكة وطبيعة من طول التدريب والممارسة عليها في الشعر والإعادة في هذا والزيادة ، حتى إذا دخل الباحث مجال البحث عن الإعجاز كان قد خبر الوسيلة الجديرة بالكشف عن جهات التميز وهي الموازنة . ثم يشير عبد القاهر بعد هذا إلى أن العلم باللغة والشعر ليسا كلّ شئ ، ولا يدلّان بذاتهما على الإعجاز ، وإنما هما من الوسائل والأدوات التي تدخل في ثقافة الباحث عن الإعجاز حتى تتكون لديه رؤية وفكر يقف بها على الأسرار واللطائف يقول وهو يقصد الذي يقتحم مجال الإعجاز دون إعداد كاف " لا يعلم أن هاهنا دقائق وأسرار معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها ودلّوا عليها وكشف لهم عنها ورفعت الحجب بينهم وبينها وأنها - أي تلك الأسرار واللطائف - السبب في أن عرضت المزية في الكلام ووجب أن يفضل بعضه بعضا وأن يبعد الشأو في ذلك وتمتد الغاية ويعلو المرتقى ويعز المطلب حتى ينتهى الأمر إلى الإعجاز وإلى أن يخرج عن طوق البشر " « 2 » . يقصد بهذا أن يكون العالم باللغة ونقد الشعر قد تكونت له من طول المعايشة رؤية وبصيرة يهتدى بها إلى اللطائف والأسرار ، على أن ذلك كله لا
--> ( 1 ) المرجع نفسه 30 . ( 2 ) نفسه 7 .